ابن حجر العسقلاني

128

فتح الباري

الرضاعة من المجاعة اعتبار مقدار ما يسد الجوعة من لبن المرضعة لمن يرتضع منها وذلك أعم من أن يكون المرتضع صغيرا أو كبيرا فلا يكون الحديث نصا في منع اعتبار رضاع الكبير وحديث ابن عباس مع تقدير ثبوته ليس نصا في ذلك ولا حديث أم سلمة لجواز أن يكون المراد أن الرضاع بعد الفطام ممنوع ثم لو وقع رتب عليه حكم التحريم فما في الأحاديث المذكورة ما يدفع هذا الاحتمال لهذا عملت عائشة بذلك وحكاه النووي تبعا لابن الصباغ وغيره عن داود وفيه نظر وكذا نقل القرطبي عن داود أن رضاع الكبير يفيد رفع الاحتجاب منه ومال إلى هذا القول ابن المواز من المالكية وفى نسبة ذلك لداود نظر فان ابن حزم ذكر عن داود أنه مع الجمهور وكذا نقل غيره من أهل الظاهر وهم أخبر بمذهب صاحبهم وانما الذي نصر مذهب عائشة هذا وبالغ في ذلك هو ابن حزم ونقله عن علي وهو من رواية الحرث الأعور عنه ولذلك ضعفه ابن عبد البر وقال عبد الرزاق عن ابن جريج قال رجل لعطاء ان امرأة سقتني من لبنها بعدما كبرت أفأنكحها قال لا قال ابن جريج فقلت له هذا رأيك قال نعم كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها وهو قول الليث بن سعد وقال ابن عبد البر لم يختلف عنه في ذلك ( قلت ) وذكر الطبري في تهذيب الآثار في مسند على هذه المسئلة وساق باسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة وهو مما يخص به عموم قول أم سلمة أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا أخرجه مسلم وغيره ونقله الطبري أيضا عن عبد الله بن الزبير والقاسم بن محمد وعروة في آخرين وفيه تعقب على القرطبي حيث خص الجواز بعد عائشة بداود وذهب الجمهور إلى اعتبار الصغر في الرضاع المحرم وقد تقدم ضبطه وأجابوا عن قصة سالم بأجوبة منها أنه حكم منسوخ وبه جزم المحب الطبري في أحكامه وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة فدل على تأخرها وهو مستند ضعيف إذ لا يلزم من تأخر اسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدما وأيضا ففي سياق قصة سالم ما يشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين لقول امرأة أبى حذيفة في بعض طرقه حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه قالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد علمت أنه رجل كبير وفى رواية لمسلم قالت إنه ذو لحية قال أرضعيه وهذا يعشر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبر في الرضاع المحرم ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبى حذيفة والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى هذا الا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة وقرره ابن الصباغ وغيره بأن أصل قصة سالم ما كان وقع من التبني الذين أدى إلى اختلاط سالم بسهلة فلما نزل الاحتجاب ومنعوا من التبني شق ذلك على سهلة فوقع الترخيص لها في ذلك لرفع ما حصل لها من المشقة وهذا فيه نظر لأنه يقتضى الحاق من يساوى سهلة في المشقة والاحتجاج بها فتنفى الخصوصية ويثبت مذهب المخالف لكن يفيد الاحتجاج وقرره آخرون بأن الأصل أن الرضاع لا يحرم فلما ثبت ذلك في الصغر خولف الأصل له وبقى ما عداه على الأصل وقصة سالم واقعة عين يطرقها احتمال الخصوصية فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها ورأيت بخط تاج الدين السبكي أنه رأى في تصنيف لمحمد بن خليل الأندلسي في هذه المسئلة أنه توقف في أن عائشة وان صح عنها الفتيا بذلك لكن لم يقع منها ادخال أحد من